الشيخ محمد رشيد رضا

259

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

لأجله ، زاعما انه ينصر الدين ، وهو يخذله بتفريق كلمة المسلمين ، هذا سني يقاتل شيعيا ، وهذا شيعي ينازل أباضيا ، وهذا شافعي يغري التتار بالحنفية ، وهذا حنفي يقيس الشافعية على الذمية ، وهؤلاء مقلدة الخلف ، يحادون من اتبع طريقة السلف ( 23 ، 68 أَ فَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ ؟ ) أم أمروا بهذا من اللّه ورسوله ومن الأئمة المجتهدين ؟ كلا بل كان التعادي والتنازع انحرافا عن الصراط المستقيم ، واتباعا لخطوات الشيطان الرجيم ، فكما خالف المفرقون المتنازعون ربهم في ذلك الامر ، خالفوا ما أتبعه به من هذا النهي ، إذ قال وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * الخطوات جمع خطوة بالضم وبالفتح ، وهما ما بين قدمي من يخطو بنقلهما في المشي ، أي لا تسيروا سيره وتتبعوا سبله في التفرق في الدين أو الخلاف والتنازع مطلقا . وسبل الشيطان وخطواته هي كل أمر يخالف سبيل الحق والخير والمصلحة ، وهي ما عبر عنه بالسبل في قوله تعالى ( 6 : 153 وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ) فذكر تعالى أن له سبيلا واحدة سماها صراطا مستقيما لأنها أقرب طريق إلى الحق والخير والسّلام ، وأن هناك سبلا متعددة يتفرق متبعوها عن ذلك الصراط وهي طرق الشيطان ، وقد علم من جعل التفرق تابعا لاتباع سبل هي غير صراط اللّه ان الذين يتبعون سبيل اللّه لا يتفرقون ( 6 : 159 إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ) نعم قد يطرأ عليهم سبب الخلاف والتنازع ولكنهم متى شعروا بأن التنازع قد دب إليهم في أمر فزعوا إلى تحكيم اللّه ورسوله فيه برده إلى حكمهما ، كما أمرهم بقوله ( 4 : 59 فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ) أي مآلا وعاقبة . فالآيات يفسر بعضها بعضا إذا نحن أخذنا القرآن بجملته كما أمرنا . وقال الأستاذ الامام : هذه الآيات حجة لعلماء الأصول القائلين بأن الحق واحد لا يتعدد . ويا ليت أصحاب هذا الأصل فرضوا على أنفسهم الاجتماع لكل